إثبات لزوم المربي
كتبهانورانية ، في 29 مارس 2009 الساعة: 19:13 م
لو نُمعن النظر في عالم الوجود نلاحظ أن عالم الجماد والنبات والحيوان والإنسان كلا وطرا في حاجة إلى مرب فإذا لم يكن للأرض مرب يتعهدها تصير غابة وتخرج نباتا لا فائدة فيه أما إذا وجد لها من يتعهدها ويرعاها فإنها تؤتي أكلا يقتات به ذوو الأرواح
إذاً صار من المعلوم ان الارض تحتاج إلى عناية الزارع ورعايته لها، انظروا إلى الأشجار إنها لو تركت بدون مرب فإنها لاتأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة أما إذا تربت وتعهدت فذلك الشجر الغير المثمر يصبح مثمرا وبالتربية والتلقيح والتطعيم تعطي الأشجار ذات الأثمار المرة فواكه شهية- وهذه أدلة عقلية وأهل العالم اليوم في حاجة إلى الدلائل العقلية.
وكذلك انظر إلى الحيوان تجده بالتربية يصبح أليفا وإذا ترك إنسان بلا تربية يصير حيوانا بل لو ترك والطبيعة يصير أحط من الحيوان أما إذا ربيته ألفيته ملاكا لأن أكثر الحيوان لا يأكل أبناء نوعه أما الإنسان في السودان بأواسط أفريقيا فإنه يفتك بأبناء نوعه ويأكلهم
ومن هذا ترون أن التربية هي التي تجمع الشرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، والتربية هي التي تظهر كل هذه الصنائع العجيبة
والتربية هي التي تروج هذه الفنون والعلوم العظيمة
والتربية هي التي تظهر هذه المكتشفات
فلولا المربي لما تهيأت بأي وجه من الوجوه أسباب الراحة والمدنية هذه كما ترى ولو ترك إنسان في صحراء بحيث لا يرى أحدا من أبناء نوعه فلا مرية في أنه يصبح حيوانا محضا.
يعلم من هذا أنه لا بد من المربي
ولكن التربية على ثلاثة أنواع
تربية جسمانية وتربية إنسانية وتربية روحانية
فالتربية الجسمانية هي لنشوء الجسم ونموه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير أسباب الراحة والرفاهية التي فيها يشترك الإنسان والحيوان.
وأما التربية الإنسانية فهي عبارة عن المدنية والترقي والسعادة يعني السياسة والنظام والتجارة والصناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة التي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان
وأما التربية الإلهية فهي تربية ملكوتية هي اكتساب كمالات إلهية هي التربية الحقيقية إذ بها يكون الإنسان في هذا المقام مركز السنوحات الرحمانية ومظهر( لنعملن إنسانا على صورتنا ومثالنا) وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنساني.
فنحن الآن نريد مربيا واحدا يكون مربيا جسمانيا ومربيا إنسانيا ومربيا روحانيا نافذ الحكم في جميع الشؤون.
ولو يقول أحد إنني كامل العقل والإدراك وغير محتاج لذلك المربي فهو منكر للبديهيات ومثله كمثل الذي يقول إنني لست محتاجا للتربية وأعمل حسب ما يوحيه إليّ فكري وبنفسي يمكنني الحصول على كمالات الوجود أو مثل أعمى يقول إنني في غنى عن البصر لأن هناك عميان كثيرين وهم عائشون
إذاً صار من الواضح المشهود أن الإنسان محتاج إلى المربي ولا شك أن هذا المربي يجب أن يكون كاملا في جميع المراتب وممتازا عن جميع البشر في كل الشؤون لأنه لو كان كسائر البشر لا يكون مربيا مخصوصا
وإنه يجب أن يكون المربي مربيا جسمانيا ومربيا إنسانيا ومربيا روحانيا أي ينظم الأمور الجسمانية ويشكل الهيئة الاجتماعية حتى يحصل التعاون والتعاضد في المعيشة وتنظم وترتب الأمور المادية في كل الأحوال.
وكذلك يؤسس التربية الإنسانية أي يجب بذلك أن يربي العقول والأذهان لتكون قابلة للترقيات الكلية فتتسع دائرة العلوم والمعارف وتكشف حقائق الأشياء وأسرار الكائنات وخاصيات الموجودات وتزداد يوما بعد يوم التعاليم والاكتشافات ويستدل من المحسوسات على المعقولات.
وكذلك يربي تربية روحانية حتى تهتدي العقول والمدارك لمعرفة ماوراء الطبيعة وتستفيض من نفحات روح القدس وترتبط بالملأ الأعلى وتصبح الحقائق الإنسانية مظاهر السنوحات الرحمانية حتى تتجلى جميع الأسماء والصفات الإلهية في مرآة حقيقة الإنسان وتتحقق الآية المباركة( لنعملن إنسانا على صورتنا ومثالنا ).
ومن المعلوم أن القوى البشرية لا تستطيع القيام بأمر عظيم كهذا ولا يمكن أن تكفل النتائج الفكرية أمثال هذه المواهب فكيف يمكن لشخص واحد بدون ناصر أو معين أن يؤسس هذا البنيان الرفيع إذاً لابد له أن يؤيده القوة المعنوية الربانية ليتسنى له القيام بهذا العمل الجليل.
إذ ذاتا واحدة مقدسة تحيي العالم الإنساني وتغير هيئة الكرة الارضية وترقي العقول وتحيي النفوس وتؤسس حياة جديدة وتضع تعاليم بديعة وتنظم العالم وتدخل الأمم والملل في ظل راية واحدة وتنجي الخلق من عالم النقائص والرذائل وتحثهم وتشوقهم إلى الكمالات الفطرية والاكتسابية لابد وأن تكون هذه الذات مؤيدة بالقوة الإلهية حتى تعهد إليها القيام بهذا العمل العظيم ويجب أن ينظر بعين الإنصاف لأن هنا مقام الإنصاف أن الأمر الذي لايمكن لجميع دول العالم وملله إجراؤه وترويجه بكل القوى والجنود أجرته نفس مقدسة بدون ناصر أو معين.
فهل يمكن أداء هذا بالقوة البشرية؟
لا والله: فحضرة المسيح مثلا رفع علم الصلح والصلاح وهو وحيد بينما جميع الدول القاهرة تعجز عن هذا العمل مع جميع قواها.
فانظر. كم من الدول والملل المختلفة مثل الروم وفرنسا والمانيا والروس والانكليز وغيرهم استظلوا تحت خيمة واحدة فظهور حضرة المسيح كان سبب الألفة بين تلك الأقوام المختلفة حتى أن بعضهم من الذين آمنوا بحضرته ائتلفوا لدرجة أن فدوا بأموالهم وأرواحهم بعضهم بعضا واستمر ذلك إلى زمن قسطنطين الذي كان سبب إعلاء أمر حضرة المسيح ولكن بعده دب الخلاف فيما بينهم لأغراض مختلفة
وخلاصة ماتقدم أن حضرة المسيح جمع هذه الأمم ولكن بعد مدة مديدة أصبحت الدول سبب الاختلاف مرة أخرى.
والمقصود من هذا هو أن حضرة المسيح وفق إلى أمور عجز عنها جميع ملوك الأرض لأنه وحد الملل المختلفة وغير العادات القديمة انظروا إلى الرومان واليونان والسريان والمصريين والفينيقيين وسائر الملل الاوربية كم كان بينهما من الاختلافات فقضى عليها وأزالها السيد المسيح وكان سببا لإيجاد المحبة بين جميع هذه القبائل
نعم ولو أن الدول بعد مدة غير قصيرة أخلت بهذا الاتحاد إلا أن المسيح كان قد قام بعمله.
والخلاصة أن المربي الكلي يجب أن يكون مربيا جسمانيا ومربيا إنسانيا ومربيا روحانيا مؤهلا بقوة أخرى فوق عالم الطبيعة حتى يحوز مقام المعلم الإلهي فإن لم يظهر مثل تلك القوة القدسية لا يقدر على التربية لأنه في ذاته ناقص فكيف يستطيع أن يربي تربية كاملة.
مثلا إذا كان المربي جاهلا فكيف يستطيع أن يعلم غيره
وإذا كان ظالما فكيف يجعل غيره عادلا
أو ناسوتيا فكيف يجعل غيره إلهيا
حينئذ يجب علينا أن ننظر بعين الإنصاف هل المظاهر الإلهية الذين ظهروا كانوا حائزين لجميع هذه الصفات أم لا ؟
فإذا لم يكونوا حائزين لهذه الصفات وهذه الكمالات لما كانوا مربين حقيقيين
إذاً يجب أن نثبت للمفكرين بالدلائل العقلية نبوة حضرة موسى ونبوة حضرة المسيح وسائر المظاهر الإلهية.
وهذه الدلائل والبراهين التي نذكرها هي دلائل معقولة لا منقولة
وقد ثبت بالدلائل العقلية أن العالم في حاجة قصوى إلى المربي وتلك التربية يجب أن تحصل بالقوة القدسية ولا شبهة في أن تلك القوة القدسية هي الوحي وبهذه القوة التي هي فوق قوة البشر يلزم تربية الخلق.
منقول من كتاب مفاوضات عبد البهاء
http://reference.bahai.org/ar/t/ab/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دينية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























